لطالما ارتبط اسم إسبانيا في عالم كرة القدم بالأسلوب الهجومي الساحر، والتمريرات القصيرة الدقيقة التي تُعرف بـ “تيكي تاكا”، وهي الفلسفة التي قادتهم إلى التتويج بكأس العالم 2010. لكن في مونديال هذا العام، يقدم منتخب إسبانيا والدفاع الحديدي في المونديال وجهًا مختلفًا تمامًا، حيث باتت الصلابة الدفاعية هي العنوان الأبرز والركيزة الأساسية لمسيرتهم المظفرة نحو الأدوار النهائية.
بعد أن أبهجوا العالم بوسط ميدان ساحر بقيادة تشافي هيرنانديز وأندريس إنييستا وأهداف دافيد فيا في جنوب أفريقيا قبل 14 عامًا، أصبح “لا روخا” اليوم على بعد ثلاث انتصارات فقط من مجد آخر، بعد فوزهم الصعب على البرتغال 1-0 في دور الـ16. لكن هذه المرة، قد يكون الشكر موجهًا إلى حائطهم الخلفي المنيع أكثر من بريق هجومهم.
تحول تكتيكي: من “تيكي تاكا” إلى “جدار لا يلين”
في عام 2010، اعتمدت إسبانيا على الاستحواذ المطلق والضغط العالي لخنق الخصوم. أما اليوم، فبينما يمتلك الفريق وفرة من المواهب الهجومية أمثال ميكيل أويارزابال واليافع لامين يامال، وعقل مدبر في الوسط كبيدري يدعمه الفائز بالكرة الذهبية 2024 رودري، فإن الأساس الذي بُني عليه تحدي إسبانيا الأخير في كأس العالم هو على الطرف الآخر من الملعب.
لقد وصل فريق المدرب لويس دي لا فوينتي إلى ربع النهائي دون أن تهتز شباكه ولو لمرة واحدة، وهو الفريق الوحيد الذي لم يتلق أي هدف في البطولة حتى الآن. هذا الإنجاز ليس مجرد صدفة، بل هو ثمرة عمل دؤوب وتضحية جماعية. لقد حطموا الأرقام القياسية ليصبحوا أول فريق في تاريخ كأس العالم يحافظ على شباكه نظيفة في ست مباريات متتالية، متجاوزين أرقام إيطاليا (1990) وسويسرا (2006-2010).
يمتد سجلهم الخالي من الأهداف الآن إلى 10 ساعات وتسع دقائق في البطولة، وهو رقم مذهل يعكس التزامًا لا يتزعزع بالواجبات الدفاعية.
أبطال صامتون: مهندسو منتخب إسبانيا والدفاع الحديدي في المونديال
تبدأ هذه الصلابة الدفاعية بالحارس المتألق أوناي سيمون، الذي يواصل إعادة كتابة التاريخ. لقد مدد حارس مرمى إسبانيا رقمه القياسي المذهل دون أن يتلقى هدفًا في كأس العالم إلى 609 دقائق، مبرزًا قدرته على إحباط هجمات الخصوم ببراعة.
أمام سيمون، يشكل الثنائي أيمريك لابورت وباو كوبارسي قلب الدفاع الصلب، بينما يوفر كل من بيدرو بورو ومارك كوكوريلا الدعم من الأطراف كظهيرين. هذا الرباعي الدفاعي بدأ ثلاثًا من أصل خمس مباريات لإسبانيا في هذا المونديال، مع دخول ماركوس يورينتي كبديل لبورو في مباراتين. لا يمكن إغفال دور رودري، “منارة الفريق”، الذي يقدم مستويات استثنائية كدرع واقٍ أمام الدفاع.
- أوناي سيمون: حارس مرمى يسجل أرقامًا قياسية في الحفاظ على نظافة الشباك.
- أيمريك لابورت وباو كوبارسي: شراكة دفاعية متجانسة تجمع بين الخبرة والموهبة الشابة.
- بيدرو بورو ومارك كوكوريلا: ظهيران يوفران التوازن بين الواجبات الدفاعية والهجومية.
- رودري: لاعب الارتكاز الذي يحمي الدفاع بذكاء ويضبط إيقاع اللعب.
فلسفة دي لا فوينتي: التضحية والالتزام الجماعي
يعتمد لويس دي لا فوينتي، مدرب إسبانيا الذي تولى المهمة في عام 2022، على شعار واضح: “التضامن، الجهد، التضحية”. هذه الكلمات ليست مجرد شعارات، بل هي مبادئ تتجسد في أداء اللاعبين على أرض الملعب. بعد الفوز على البرتغال، صرح دي لا فوينتي: “هذه نتيجة وثمار عمل جماعي – صلابة دفاعية كبيرة بالطبع. هناك تضامن، جهد، تضحية، والجميع يركض من أجل الآخر. كل فكرة كروية حاضرة بوضوح شديد، لكن الجميل هو الموقف الذي يظهره هؤلاء اللاعبين، إنهم ملتزمون بالقضية.”
هذه الفلسفة تعكس فريقًا يعرف كيف ينافس، ومجموعة ملتزمة تفكر بنفس الطريقة، مما يمنحهم التفوق في اللحظات الحاسمة.
رحلة العودة إلى القمة: التحديات القادمة
لم تكن رحلة إسبانيا سلسة منذ تتويجها بكأس العالم 2010، حيث شهدت إقصاءات مبكرة في البطولات اللاحقة. لكن بالعودة إلى البطولة كبطل لأوروبا، يمتلك المنتخب الإسباني تشكيلة تبدو قادرة على إعادته إلى قمة كرة القدم العالمية.
على الرغم من أن الأداء ضد البرتغال قد لا يكون الأفضل من الناحية الهجومية، إلا أن الصلابة الدفاعية تبعث برسالة قوية للفرق الأخرى. يرى الخبراء أن التحدي الأصعب قد يأتي ضد فرنسا في حال فوز كلا الفريقين بمبارياتهما. لكن قبل ذلك، سيسعى فريق دي لا فوينتي لمواصلة مسيرته الجيدة عندما يواجه بلجيكا في ربع النهائي يوم الجمعة.
إن القدرة على تحقيق الفوز حتى عندما لا يكون الهجوم في أفضل حالاته، هي علامة على فريق بطل. ومع منتخب إسبانيا والدفاع الحديدي في المونديال، يبدو أن “لا روخا” يمتلك المكون السري للعودة إلى المجد.
لمزيد من التحليلات والأخبار الحصرية عن كرة القدم العالمية، زوروا موقعنا ديربي سبورت | أخبار كرة القدم العالمية والبث المباشر.