شهدت كرة القدم الإنجليزية في السنوات الأخيرة تحولاً جذرياً، مُعلنة عن حقبة لم يسبق لها مثيل. ما كان مجرد حلم بعيد أصبح واقعاً ملموساً، حيث بات المنتخب الإنجليزي منافساً قوياً وثابتاً في البطولات الكبرى. هذه ليست مجرد فترة عابرة من النجاح، بل هي بداية لما يمكن وصفه بـ العهد الذهبي للمنتخب الإنجليزي، حيث تجاوزت التطلعات الجريئة التوقعات، وأصبح الوصول إلى المربعات الذهبية أمراً شبه روتيني.
قبل عقد من الزمان، كانت فكرة أن تتنافس إنجلترا باستمرار على الألقاب الكبرى تبدو سخيفة. فبعد الخروج المخيب للآمال من دور الـ 16 في يورو 2016 على يد أيسلندا، ومونديال البرازيل الكارثي الذي تذيلت فيه المجموعة بنقطة واحدة فقط، كانت الجماهير الإنجليزية تعيش في دوامة من الترقب الذي غالباً ما ينتهي بخيبة أمل. الأغنية الشهيرة “Three Lions” التي ألفت ليورو 96، والتي كانت تتحدث عن الأمل الذي يتبدد دائماً، كانت تعكس واقعاً مريراً عاشه الجيل تلو الجيل.
تحول لافت: إنجلترا قوة لا يستهان بها في العهد الذهبي للمنتخب الإنجليزي
منذ عام 2016، حقق المنتخب الإنجليزي إنجازات غير مسبوقة، حيث وصل إلى نصف النهائي على الأقل في أربع من أصل خمس بطولات كبرى. هذا السجل يفوقه فقط الأرجنتين وفرنسا، اللتين تملكان ألقاباً عالمية وقارية لتؤكدا تفوقهما. ومع وجود نجوم من طراز عالمي مثل جود بيلينجهام وهاري كين، الذين يقودون هجوم الأسود الثلاثة، أصبحت إنجلترا تُصنف بحق ضمن المرشحين الدائمين للفوز بالألقاب.
لم يعد الأمر يتعلق بـ “مغامرة سريعة مع النجاح”، بل بفريق مبني للمنافسة الجادة. فبعد الفوز المثير على النرويج في ربع النهائي، ينتظر المنتخب الإنجليزي مواجهة صعبة أمام الأرجنتين بقيادة ليونيل ميسي. حتى لو تعثر الفريق مرة أخرى، فإن هذا الجيل قد أرسى دعائم فترة طويلة من التميز، وهو ما لم يقترب منه أي فريق إنجليزي سابق.
ركائز النجاح: استثمار طويل الأمد وتطوير المواهب
هذا التحول لم يأتِ من قبيل الصدفة. ففي عام 2013، وجه جريج دايك، رئيس الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم حينها، انتقادات حادة لهيكل كرة القدم الإنجليزية، مشيراً إلى “نقص مقلق في المواهب المحلية”. وضع دايك هدفين طموحين: الوصول إلى نصف نهائي يورو 2020 والفوز بكأس العالم 2022، وهو ما قوبل بالسخرية حينها. لكنه لم يكن بعيداً عن الواقع.
- خطة تطوير اللاعبين النخبة (EPPP): في عام 2011، تم إقرار هذه الخطة بتكلفة 340 مليون جنيه إسترليني، والتي أحدثت ثورة في أكاديميات النخبة وأعادت هيكلة النظام. ركزت الخطة على توفير أفضل المرافق والمدربين للاعبين الشباب.
- مركز سانت جورج بارك (St George’s Park): افتتح المركز في عام 2012 بعد 11 عاماً من شراء الأرض. أصبح هذا المركز الوجهة الرئيسية لتدريب وتطوير جميع منتخبات إنجلترا على كافة المستويات، موفراً بنية تحتية عالمية المستوى.
لقد أثمر هذا الاستثمار طويل الأمد عن جيل من اللاعبين الموهوبين. فجود بيلينجهام، وديكلان رايس، وبوكايو ساكا، وإليوت أندرسون هم مجرد أمثلة قليلة من خريجي نظام EPPP الذين أصبحوا نجوماً في التشكيلة الأساسية. إن عمق الخيارات المتاحة للمدرب توماس توخيل كبير لدرجة أنه يمكنه استبعاد لاعبين بحجم ترينت ألكسندر-أرنولد، وكول بالمر، وفيل فودين، والوصول بالفريق إلى مراحل متقدمة في البطولات الكبرى. وتستمر قاطرة إنتاج المواهب في العمل، مع ظهور أسماء مثل أليكس سكوت، وجوش كينج، وإيثان نوانيري، وريو نجومو، وماكس دوومان البالغ من العمر 16 عاماً، والذي يحطم الأرقام القياسية في إنجازاته المتعلقة بالعمر.
تغيير عقلية الجماهير والفريق
لم يقتصر التغيير على أرض الملعب فقط، بل امتد ليشمل عقلية الجماهير والفريق نفسه. الأناشيد الجديدة مثل “Silence Is Talking” و”Wonderwall” بدأت تحل محل أغنية “Three Lions” كأناشيد رسمية توحد اللاعبين والمشجعين. هذا التغيير قد يشير إلى أن الجماهير أصبحت مستعدة لاحتضان النجاح بدلاً من الخوف من إخفاقات الماضي.
الفريق الحالي يتميز بمرونة أكبر وتحرر من قيود خيبة الأمل. ففي فوز إنجلترا على المكسيك بنتيجة 3-2 بعد اللعب بعشرة لاعبين إثر طرد جاريل كوانساه، لم يتكرر السيناريو القديم الذي كان سيشهد خروج إنجلترا كـ “محاربين شجعان”، ربما بركلات الترجيح. هذا الفريق يثبت أنه ينتمي إلى القمة بفضل قدراته، وليس بتاريخه فقط. لمزيد من التحليلات الكروية الحصرية، يمكنكم زيارة ديربي سبورت | أخبار كرة القدم العالمية والبث المباشر.
الخطوة الأخيرة: البحث عن اللقب
بعد النجاحات المتتالية التي شهدها العهد الذهبي للمنتخب الإنجليزي، بما في ذلك وصول سيدات إنجلترا (“اللبؤات”) إلى نهائي كأس العالم للسيدات 2023 وفوزهن ببطولتي أوروبا متتاليتين، تبقى خطوة واحدة للمنتخب الرجالي: رفع الكأس. توماس توخيل مكلف الآن باتخاذ هذه الخطوة الحاسمة، بدءاً بالفوز على الأرجنتين لإرسال إنجلترا إلى نهائي كأس العالم للمرة الثانية فقط في تاريخها. ففي نيوجيرسي يوم الأحد، أي شيء يمكن أن يحدث.
وصول المنتخب الإنجليزي إلى نصف النهائي والنهائيات جزء من القصة فقط؛ أما السطر الأخير فلا يكتب إلا برفع الكابتن هاري كين للقب البطولة. هذا هو الهدف الأسمى الذي يتطلع إليه كل من ينتمي إلى الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم. (يمكنك معرفة المزيد عن تاريخ الاتحاد الإنجليزي من خلال صفحة ويكيبيديا الموثوقة).