لطالما كانت كرة القدم مصدر شغف وإلهام لملايين حول العالم، ولكن خلف بريق الملاعب والإنجازات، تكمن تحديات صحية قد لا تظهر للعيان إلا بعد سنوات طويلة من الاعتزال. دراسة حديثة، هي الأكبر من نوعها، تلقي الضوء على حقيقة مقلقة تتعلق بالصحة النفسية للاعبي كرة القدم السابقين، وتكشف عن معاناتهم المتزايدة من الاكتئاب والقلق واضطرابات التفكير واتخاذ القرارات في منتصف العمر مقارنة بعامة السكان.

أجريت هذه الدراسة، التي مولها الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم ورابطة اللاعبين المحترفين، على 124 لاعبًا محترفًا سابقًا تتراوح أعمارهم بين 30 و60 عامًا. وقد كشفت النتائج، التي قُدمت في المؤتمر الدولي لجمعية الزهايمر، عن اختلافات كبيرة بين أدمغة هؤلاء اللاعبين وأدمغة الأفراد الذين لم يمارسوا رياضات الاحتكاك أو يتعرضوا لإصابات الرأس.

أرقام مقلقة: الاكتئاب والقلق يسيطران على عقول الرياضيين

تُظهر الأرقام الصادمة أن 31% من اللاعبين السابقين الذين شملتهم الدراسة سجلوا نتائج ضمن النطاق الذي يشير إلى اكتئاب سريري كبير. هذه النسبة أعلى بـ 22% من مجموعة المقارنة من البالغين الأصحاء. أما فيما يخص القلق، فقد وصل 42% من لاعبي كرة القدم السابقين إلى عتبة أعراض القلق السريري، مقارنة بـ 25% من غير اللاعبين. لا تقتصر المشكلة على الجانب النفسي فحسب، بل تمتد لتشمل الوظائف المعرفية الأساسية.

تشير صور الدماغ إلى وجود انخفاض ملحوظ في حجم المادة الرمادية في العديد من مناطق الدماغ الحيوية للذاكرة، والحفاظ على الانتباه، واتخاذ القرار، وتنظيم العواطف. كما لوحظ انخفاض عام في حجم الدماغ. وعند سؤال اللاعبين عن مهاراتهم في التفكير واتخاذ القرار، قاموا بتقييمها بشكل أقل من غير اللاعبين. تؤكد هيذر سنايدر، نائب الرئيس الأول للعلاقات الطبية والعلمية في جمعية الزهايمر، على أهمية هذه النتائج:

  • “هذه هي الدراسة الأولى والأكبر من نوعها التي تنظر في صحة دماغ لاعبي كرة القدم المتقاعدين في منتصف العمر، ونحن نشهد هذه التغيرات الدماغية في نقطة قبل أن نتوقع رؤية الأعراض السريرية.”
  • “تثير الدراسة إمكانية وجود أشياء يمكننا اكتشافها في أدمغة الأفراد في وقت مبكر، وإذا فهمنا ما يحدث، قد نتمكن من التدخل والاستفادة من صحتهم الدماغية.”

فهم أعمق لتأثير كرة القدم على الصحة النفسية للاعبين والتحولات الدماغية

تأتي هذه النتائج لتضاف إلى عدد متزايد من الدراسات التي تشير إلى أن إصابات الرأس المتكررة، خاصة تلك الناتجة عن ضرب الكرة بالرأس، يمكن أن تساهم في التنكس العصبي وأمراض الدماغ. يعد تأثير كرة القدم على الصحة النفسية للاعبي كرة القدم جزءًا لا يتجزأ من هذه الصورة الأوسع. من الصعب تحديد مدى تسبب لعب كرة القدم في تلف دماغ فرد معين بدقة أثناء حياته، حيث أن أفضل تحليل للدماغ لا يمكن إجراؤه إلا بعد الوفاة.

على سبيل المثال، لا يمكن تشخيص الاعتلال الدماغي الرضحي المزمن (CTE)، والذي تسببه ضربات الرأس المتكررة وهو أكثر شيوعًا بين الرياضيين كلاعبي الرغبي وكرة القدم، إلا بعد الوفاة عند فحص ترسبات البروتين وأشكال أخرى من التلف في الدماغ. يمكن أن يسبب الاعتلال الدماغي الرضحي المزمن أعراضًا أثناء الحياة تشمل مشاكل في الذاكرة، وأمراضًا عقلية، وتغيرات سلوكية، وتقلبات مزاجية عنيفة. لقد حظي هذا الموضوع باهتمام كبير في المملكة المتحدة، خاصة بعد حالات وفاة لاعبين سابقين ربطت بأمراض عصبية، مثل أسطورة مانشستر يونايتد وليدز جوردون ماكوين، والمهاجم الإنجليزي السابق جيف أستل الذي يعتبر أول لاعب كرة قدم تأكد تأثر وفاته بضرب الكرة بالرأس.

يؤكد البروفيسور ويلي ستيوارت، استشاري أمراض الأعصاب في جامعة غلاسكو، أن “لاعبي كرة القدم المحترفين السابقين معرضون لخطر أعلى بكثير للإصابة بأمراض الدماغ التنكسية، والخرف والاضطرابات ذات الصلة… ما نراه هو أن الخطر أعلى بثلاثة أضعاف ونصف مما ينبغي أن يكون عليه.”

نحو مستقبل أكثر أماناً: دعوات للتغيير وحلول مقترحة

تتزايد الدعوات من عائلات اللاعبين المتوفين بسبب حالات عصبية تنكسية لتقليل ضرب الكرة بالرأس لسنوات عديدة. وقد بدأت اتحادات كرة القدم والجهات المعنية في اتخاذ إجراءات:

  • تم تقييد ضرب الكرة بالرأس في كرة القدم للأطفال في إنجلترا واسكتلندا وأيرلندا الشمالية.
  • صدرت إرشادات للأندية بشأن الحد من الرأسيات عالية القوة في التدريبات، مثل الكرات التي تأتي بسرعة من الركلات الحرة والركلات الركنية.
  • ذهب الاتحاد الاسكتلندي لكرة القدم أبعد من ذلك، حيث حظر ضرب الكرة بالرأس في اليوم السابق وبعد المباريات في كرة القدم الاحترافية للبالغين.
  • في عام 2023، أنشأت رابطة اللاعبين المحترفين والدوري الإنجليزي الممتاز صندوقًا لصحة الدماغ، لتوفير الأموال لمساعدة اللاعبين السابقين وعائلاتهم المتضررين من الخرف والحالات التنكسية العصبية الأخرى.

يهدف القائمون على الدراسة الأخيرة إلى مواصلة مراقبة صحة الدماغ للاعبي كرة القدم السابقين الذين شاركوا هذه المرة، ويقولون إن هناك حاجة إلى مزيد من البحث لفهم ما الذي يسبب تغيرات الدماغ، وكيف تتغير الأعراض بمرور الوقت، ومحاولة تحديد ما يمكن فعله للمساعدة. “عندما نفكر في صحة دماغنا، فإن أحد أفضل الأشياء التي يمكنك القيام بها هو حماية رأسك من الإصابة قدر الإمكان عند ممارسة الرياضة،” تقول سنايدر.

إن فهم هذه المخاطر واتخاذ خطوات استباقية لحماية اللاعبين أمر بالغ الأهمية لضمان استمرارية اللعبة التي نحبها بطريقة آمنة ومستدامة. للمزيد من أخبار كرة القدم العالمية والبث المباشر، يمكنكم زيارة ديربي سبورت | أخبار كرة القدم العالمية والبث المباشر.

About The Author