أسطورة جاست فونتين والأحذية المستعارة: سجل الـ13 هدفًا الذي حير العالم
في عالم كرة القدم، حيث تُحطم الأرقام القياسية وتُصنع الأساطير، يبرز اسم جاست فونتين كعلامة فارقة لا تُنسى. هذا المهاجم الفرنسي الذي خطف الأضواء في كأس العالم 1958 بـ13 هدفًا مذهلاً في بطولة واحدة، لم يكن يرتدي أحذيته الخاصة، ولم يكن حتى ضمن التشكيلة الأساسية لمنتخب بلاده في البداية. إنها حقًا قصة أسطورة جاست فونتين والأحذية المستعارة، والتي تُعيد تعريف معنى الإصرار والتألق في أصعب الظروف. يُعد إنجازه معيارًا لا يزال اللاعبون الكبار يسعون جاهدين للوصول إليه حتى يومنا هذا.
الرقم القياسي الخالد: 13 هدفاً في بطولة واحدة
يُحكى عن فونتين أنه كان يمتلك موهبة فطرية في هز الشباك، لكن ما حققه في السويد عام 1958 تجاوز كل التوقعات. لم يكتفِ بتسجيل الأهداف، بل حطم الرقم القياسي العالمي لأكثر عدد من الأهداف يسجله لاعب في نسخة واحدة من كأس العالم، وهو رقم لا يزال صامداً منذ 68 عامًا. للمقارنة، منذ عام 1970، لم يتجاوز الهدافون ستة أهداف في البطولة سوى ثلاث مرات فقط. بينما يسعى نجوم العصر الحديث مثل ليونيل ميسي وكيليان مبابي وإيرلينج هالاند وهاري كين للاقتراب من هذا الإنجاز في مونديال 2026، مع الجولة الإضافية للمبارايات في نظام الـ48 فريقًا، فإنهم ما زالوا بعيدين عن الرقم الذي سجله فونتين في ست مباريات فقط.
الظروف الاستثنائية: من مقعد البدلاء إلى المجد بأحذية مستعارة
كانت مسيرة فونتين نحو المجد مليئة بالصدف غير المتوقعة. كما أوضح المؤرخ الرياضي فيليب باركر لـBBC Sport، لم يكن فونتين الخيار الأول للمدرب الفرنسي ألبرت باتو. فجاءت فرصته الذهبية بعد إصابة زميله رينيه بليارد في مباراة ودية قبل البطولة مباشرة. والقصة الأكثر إثارة هي أنه لم يكن لديه حذاء مناسب لمقاسه، فاضطر إلى استعارة حذاء من زميله ستيفان بروي في المباراة الافتتاحية. تخيلوا لو حدث مثل هذا الأمر في كرة القدم الحديثة!
لم تكن هذه هي العقبة الوحيدة، فقد خضع فونتين لعملية جراحية في غضروف ركبته (الغضروف المفصلي) خلال الموسم، مما جعله في شكوك حول مشاركته. ومع ذلك، هذه الإصابة جعلته يصل إلى البطولة وهو في كامل لياقته البدنية، على عكس العديد من اللاعبين الذين أنهكهم موسم طويل وشاق.
عبقرية التهديف: تحليل أسلوب فونتين الحديث
شاهدة مقاطع الفيديو القديمة لأهداف فونتين في عام 1958 تُظهر مهاجمًا عصريًا بامتياز. لم يكن مجرد لاعب قوة في زمن الكرات الثقيلة والشاشات بالأبيض والأسود، بل كان يتمتع بسرعة فائقة وذكاء تكتيكي. كان يتسلل ببراعة خلف خطوط الدفاع، ويضع الكرات بدقة في الزوايا الصعبة. وصفته صحيفة ليكيب الفرنسية بأنه “قائد هجوم على الطراز الإنجليزي – شجاع، مقاتل، وعنيد”. إن تسجيله لثلاثية في أول مباراة له ضد باراغواي في فوز فرنسا 7-3 كان بمثابة الشرارة التي أشعلت البطولة.
من أبرز أهدافه كان هدفه الثالث ضد ألمانيا الغربية في مباراة تحديد المركز الثالث، حيث انطلق بالكرة من منتصف الملعب، وتجاوز المدافعين، وسدد الكرة ببراعة في الزاوية البعيدة، وهو هدف يذكرنا بأهداف مايكل أوين الشهيرة.
جيل ذهبي فرنسي وتألق لم يُنسَ
لم يكن فونتين وحيداً في هذا الإنجاز، فقد كان جزءًا من فريق فرنسي استثنائي عام 1958. ضم الفريق لاعبين كبارًا مثل ريموند كوبا، نجم ريال مدريد الحائز على الكرة الذهبية عام 1958، والذي حل فونتين ثالثًا في ترتيبها. كان فونتين وكوبا يتبادلان الغرف خلال المباريات الدولية، ويناقشان فهمهما العميق للعبة، مما خلق بينهما تفاهمًا استثنائيًا على أرض الملعب.
سجل الخط الأمامي الفرنسي 22 هدفًا من أصل 23 هدفًا للفريق في البطولة، مما يدل على قوتهم الهجومية الهائلة. توقفت مسيرة فرنسا فقط أمام البرازيل التي لا تُقهر بقيادة بيليه البالغ من العمر 17 عامًا آنذاك، في نصف النهائي الذي انتهى 5-2 لصالح البرازيل. يعتقد باركر أن فريق 1958 يمكن أن يقف جنبًا إلى جنب مع أفضل الفرق الفرنسية على الإطلاق، بما في ذلك أبطال 1998 و2018.
مكافأة غير تقليدية ونهاية مبكرة لمسيرة لامعة
على الرغم من إنجازاته المذهلة، لم يحصل فونتين على جائزة الحذاء الذهبي الشهيرة، لأن هذه الجائزة لم تُقدم إلا في عام 1982. بدلاً من ذلك، حصل على بندقية هوائية من صحيفة سويدية تقديراً لمهاراته في التهديف كـ”قناص ماهر”. في عام 2014، كرمه الفيفا بحذاء بلاتيني فريد من نوعه اعترافاً بإنجازه غير المسبوق. قال فونتين: “لم تكن هناك جائزة الحذاء الذهبي في عام 1958، لذلك لم يفكر أحد في ذلك. ربما أعطاني ذلك ميزة. في هذه الأيام، بمجرد أن يسجل المهاجم ثلاثة أهداف، يبدأ الجميع في سؤاله عن الرقم القياسي. بمجرد أن يفكر في الرقم القياسي، يكون قد انتهى. السر هو إخراجه من ذهنك.”
لم يتمكن من الاقتراب من رقم فونتين سوى جيرد مولر في عام 1970 بتسجيل 10 أهداف، لكنه ظل متأخرًا بثلاثة أهداف عن فونتين.
للأسف، لم يتمكن فونتين من تعزيز إرثه في كؤوس عالم لاحقة بسبب الإصابة. في مارس 1960، تعرض لكسر في الساق خلال مباراة في الدوري الفرنسي. تفاقمت الإصابة بعد عدة محاولات للعودة، مما أجبره على اعتزال كرة القدم في عام 1962 عن عمر يناهز 28 عامًا فقط. كان سجله الدولي يبلغ 30 هدفًا في 21 مباراة دولية فقط مع فرنسا. تُرى ماذا كان سيحقق لو لم تُنهِ الإصابة مسيرته بهذه السرعة؟
إرث لا يمحى: ما بعد الملاعب والتقدير المتأخر
بعد اعتزاله اللعب، ظل جاست فونتين مرتبطًا بكرة القدم. ساهم في تأسيس اتحاد اللاعبين الفرنسيين (UNFP) وأصبح أول رئيس له عام 1961. كما خاض تجارب في مجال التدريب، بما في ذلك قيادته لمنتخب فرنسا في مباراتين عام 1967، ثم تولى تدريب باريس سان جيرمان وتولوز، وقضى عامين كمدرب لمنتخب المغرب، بلد ميلاده.
كان فونتين يمزح قائلاً إنه لو عاد بعد 200 عام، فإن رقمه القياسي سيظل قائماً. وقد وصفته صحيفة ليكيب الفرنسية بأنه “لا يُقهر”. توفي فونتين في 1 مارس 2023 عن عمر يناهز 89 عامًا، وشهد فوز فرنسا بكأس العالم مرتين وظهور مبابي، أحد اللاعبين القلائل الذين قد يتحدون رقمه الأيقوني. لكن حتى الآن، يبقى الرقم 13 خاصًا به، وتبقى أسطورة جاست فونتين والأحذية المستعارة قصة بطل لم ينل التقدير الكافي في عصره، ولكنه ترك بصمة لا تُمحى في تاريخ كرة القدم.
للمزيد من أخبار كرة القدم العالمية والبث المباشر، تفضل بزيارة ديربي سبورت | أخبار كرة القدم العالمية والبث المباشر.