لطالما كانت بطولة كأس العالم مسرحاً للعديد من المفاجآت والظواهر الكروية، لكن النسخة الحالية تشهد ظاهرة تستدعي التوقف عندها ملياً: هيمنة الفرق الأوروبية على ربع نهائي كأس العالم، وذلك على الرغم من استضافة البطولة خارج القارة العجوز. فالتاريخ يشير إلى أن المنتخبات الأوروبية تواجه صعوبات جمة في تحقيق اللقب عندما تُقام المنافسة بعيداً عن ديارها، إذ لم يسبق لها الفوز سوى مرتين في تاريخ البطولة الممتد منذ عام 1930؛ إسبانيا في جنوب أفريقيا عام 2010 وألمانيا في البرازيل عام 2014. لكن المشهد الحالي يوحي بتغيير جذري لهذه القاعدة، مع وصول ستة منتخبات أوروبية من أصل ثمانية إلى دور الثمانية، وهو رقم لم تشهده البطولة بهذا الحجم خارج أوروبا منذ عام 1994.

أداء أوروبي يفوق التوقعات: من البداية المتعثرة إلى التألق في الأدوار الإقصائية

على الرغم من التواجد القوي لأوروبا في ربع النهائي، فإن بداية المنتخبات الأوروبية لم تكن مبشرة على الإطلاق. فقد شهدت الجولات الأولى من دور المجموعات تعثراً لسبعة من أصل عشرة منتخبات أوروبية خاضت مبارياتها الافتتاحية. أُثيرت تساؤلات حول تأثير حرارة الطقس في أمريكا الشمالية، حيث أقامت بعض الفرق، بما في ذلك إنجلترا، معسكراتها في مناطق حارة للتأقلم. ومع ذلك، قلل المدربون من تأثير الظروف الجوية، فمثلاً، لم يلقِ مدرب بلجيكا رودي غارسيا باللوم على الحرارة بعد التعادل مع مصر، مؤكداً أن الأداء كان يجب أن يكون أفضل. وبالمثل، أشار مدرب سويسرا، مراد ياكين، إلى إهدار الفرص كسبب للتعادل مع قطر في مباراتهم الأولى، وليس الظروف المناخية.

لكن سرعان ما استعادت المنتخبات الأوروبية توازنها. فمع نهاية دور المجموعات، سجلت الفرق الأوروبية 17 فوزاً و12 تعادلاً مقابل 7 هزائم فقط في مواجهاتها ضد منتخبات من خارج القارة. وفي الأدوار الإقصائية، أظهرت هذه المنتخبات قدرة فائقة على التعامل مع الضغوط والتحديات:

  • إنجلترا: واجهت رحلة صعبة إلى ملعب الأزتيك في المكسيك لمواجهة المكسيك في دور الـ16، حيث كان عليها التعامل مع الارتفاع والجمهور المعادي. لكنها قدمت أداءً قتالياً مبهراً لتتأهل، مما دفع المهاجم الإنجليزي السابق واين روني للتصريح: “هذا أظهر أن لدينا فريقاً قادراً على الفوز بكأس العالم”.
  • فرنسا: تعاملت ببراعة مع ‘الأساليب المظلمة’ لباراغواي لتصل إلى دور الثمانية.
  • بلجيكا: تجاوزت الضغط الجماهيري المرتفع وتغلبت على الولايات المتحدة المضيفة في دور الـ16، لتواجه إسبانيا في ربع النهائي في مواجهة أوروبية خالصة. علّق مدافع إنجلترا السابق مات أبسون قائلاً: “كانت علامات مشجعة من بلجيكا، لكنهم سيحتاجون إلى أن يكونوا في أفضل حالاتهم ضد خط وسط إسباني رائع”.
  • سويسرا: أظهرت رباطة جأش لافتة وتغلبت على كولومبيا بركلات الترجيح في مباراة مثيرة.

قوة التمثيل والتصنيف العالمي

قد لا تكون هيمنة الفرق الأوروبية على ربع نهائي كأس العالم مفاجئة تماماً إذا أخذنا في الاعتبار عدد المقاعد المخصصة للقارة في البطولة. فأوروبا تحظى بـ 16 مقعداً في كأس العالم، وهو العدد الأكبر مقارنة بأي قارة أخرى. ومع توسيع البطولة لتشمل 48 فريقاً وإضافة دور إقصائي إضافي، فإن هذا التفوق لا يزال مبهراً. خصوصاً وأن البطولة شهدت خروج حامل اللقب خمس مرات البرازيل، بالإضافة إلى خروج الدول المضيفة كندا والمكسيك والولايات المتحدة الأمريكية من دور الـ16.

كما تهيمن الفرق الأوروبية على تصنيفات الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، حيث تحتل خمسة من أفضل ثمانية منتخبات في التصنيف العالمي مراتب أوروبية، وقد وصل أربعة منها إلى دور الثمانية. حتى البرتغال، المصنفة سابعة عالمياً، خرجت على يد إسبانيا في مواجهة أوروبية خالصة بدور الـ16.

دخلت فرنسا البطولة كأحد المرشحين الأقوياء، وهي تفي بهذه التوقعات حتى الآن، حيث يتصدر مهاجمها كيليان مبابي سباق الهدافين بسبعة أهداف. علق داني ميرفي، لاعب وسط إنجلترا السابق، قبل البطولة: “من الصعب تجاوز فرنسا بقوتها الهجومية، خاصة عند التفكير في الوقت الإضافي والطقس الحار ضد الأرجل المتعبة”. وأضاف غايل كليشي، مدافع فرنسا السابق: “فرنسا وإسبانيا وإنجلترا هي المنتخبات الثلاثة التي ستقدم أداءً جيداً بالنسبة لي”.

المفاجآت السارة: نجوم غير متوقعة تتألق

في خضم هذه الهيمنة المتوقعة للمنتخبات الكبرى، برزت بعض الفرق الأوروبية التي تجاوزت التوقعات بكثير:

  • النرويج: تعود للمونديال لأول مرة منذ عام 1998، وتستفيد بشكل كبير من تألق نجمها إيرلينج هالاند على الساحة الدولية. سجل مهاجم مانشستر سيتي سبعة أهداف حتى الآن في البطولة، ويأمل في إضافة المزيد.
  • سويسرا: أظهرت أداءً ممتازاً وحافظت على هدوئها رغم الأجواء الصعبة التي واجهتها في فوزها بركلات الترجيح على كولومبيا. هذا الانتصار يعني أن فريق مراد ياكين وصل إلى ربع نهائي كأس العالم لأول مرة منذ عام 1954، لكنه يواجه مهمة صعبة أمام الأرجنتين حاملة اللقب. قال ياكين: “هذه لحظة تاريخية. لقد وصلنا إلى أفضل إنجاز للفريق السويسري، لكن الرحلة مستمرة”.

إن هذه الرحلة مستمرة بالفعل، حيث تسعى المنتخبات الأوروبية لمواصلة مسيرتها القوية وإنتاج فائز نادر بكأس العالم خارج القارة، ليؤكد هذا الجيل الجديد على قدرته على التكيف والتألق في أصعب الظروف. لمتابعة آخر الأخبار والتحليلات الحصرية لكرة القدم، تفضل بزيارة ديربي سبورت | أخبار كرة القدم العالمية والبث المباشر.

About The Author