مع انطلاق صافرة مونديال 2026، لم تكن الشكوك تحوم حول قدرة الولايات المتحدة على استضافة الحدث العالمي فحسب، بل حول قدرة منتخبها الوطني على مجاراة الضغط الهائل والتطلعات الكبيرة. لكن ما شهده العالم في 45 دقيقة ساحرة ضد باراغواي كان كفيلاً بتبديد أي تردّد، مؤكدًا أن البلاد قد تكون على أعتاب مرحلة تاريخية تشهد صعود كرة القدم الأمريكية للنخبة العالمية. الفوز الساحق بنتيجة 4-1 لم يكن مجرد بداية مثالية في المجموعة الرابعة، بل رسالة واضحة لكل من يشكك في طموحات هذا الجيل.

انطلاقة تاريخية وتأكيد الحضور على الساحة العالمية

في ليلة افتتاحية مبهرة، شهدها ملعب لوس أنجلوس بحضور نجوم هوليوود مثل توم كروز، وعرض غنائي لكاتي بيري، تحدى المنتخب الأمريكي الضغوط الهائلة. فبدلاً من الانهيار تحت وطأة التوقعات، ارتقى اللاعبون للمستوى المطلوب مسجلين ثلاثة أهداف في شوط أول عاصف، قبل أن يختتم جيوفاني رينا المهرجان بهدف رابع رائع في الوقت المحتسب بدل الضائع، ليحققوا فوزًا مستحقًا بنتيجة 4-1. لم يكن هذا الفوز مجرد ثلاث نقاط، بل كان إشارة إلى إمكانات فريق تطور بشكل كبير تحت قيادة المدرب الأرجنتيني ماوريسيو بوتشيتينو على مدار العشرين شهرًا الماضية. وصف حارس مرمى الولايات المتحدة السابق توني ميولا هذا التطور قائلاً: “لقد أصبحنا الآن أكثر رسوخًا بكثير. لدينا لاعبون يلعبون في جميع أنحاء العالم، ولدينا دوري لا يصدق ومنشآت يستخدمها العالم الآن. كل هذا كان حلماً بعيد المنال قبل سنوات قليلة، والآن نحن أمة كرة قدم.”

رؤية بوتشيتينو التحولية: هل حان وقت صعود كرة القدم الأمريكية للنخبة؟

عند تعيين ماوريسيو بوتشيتينو مدربًا للمنتخب الأمريكي قبل 20 شهرًا، كانت مهمته واضحة: تحويل فريق كان قادرًا على تجاوز دور المجموعات ولكنه نادرًا ما يذهب أبعد من ذلك. وما ظهر في مباراة باراغواي كان تحولًا تكتيكيًا واضحًا. تبنى الفريق أسلوب لعب ضاغطًا وهجوميًا لم يتمكن خصومهم من مجاراته. علاوة على ذلك، يمتلك بوتشيتينو الآن تشكيلة مليئة بالمواهب، حيث يلعب 17 لاعبًا من أصل 26 في معسكره ضمن الدوريات الخمس الكبرى في أوروبا، سبعة منهم في الدوري الإنجليزي الممتاز. لكن تأثير بوتشيتينو لم يقتصر على التكتيك واللاعبين، بل امتد ليشمل تغيير عقلية اللاعبين، مشجعًا إياهم على التخلص من فكرة أنهم “مستضعفون” وبدلاً من ذلك، الإيمان بقدرتهم على التواجد بين النخبة، ليس فقط بالوصول إلى مراحل متقدمة، بل بالفوز بكأس العالم نفسه. لقد طرح السؤال ببساطة: “لماذا لا نكون نحن؟”

زخم جماهيري غير مسبوق وتأثير الاستضافة

قبل المباراة الافتتاحية، كان الشعور السائد هو اللامبالاة نسبياً تجاه استضافة كأس العالم في الولايات المتحدة، حتى في لوس أنجلوس نفسها. لكن كل ذلك تغير في يوم المباراة، حيث غمرت قمصان المنتخب الأمريكي محطات المترو والمقاهي والحانات. فالفشل في تحقيق الفوز كان من شأنه أن يقضي على هذا الشغف سريعًا، لكن بدلاً من ذلك، تعززت هذه الروح الحماسية، ومن المتوقع أن تزداد قبل مباراتيهم المتبقيتين في المجموعة ضد تركيا وأستراليا. علّق نجم ليفربول السابق داني ميرفي على الأداء الرائع قائلاً على بي بي سي ماتش أوف ذا داي: “يبدون فريقًا خطيرًا حقًا، يبدون لائقين، حادين، وجائعين. عندما تلعب جيدًا، يقف الجمهور خلفك. هذا ملعب مخيف عندما تكون غالبية الجماهير معك، هذا مؤكد.” إن هذا التفاعل الجماهيري يُعد عاملاً حاسمًا في مسيرة الفريق نحو تحقيق طموحاته، ويمكنكم متابعة آخر أخبار وتغطيات كرة القدم العالمية عبر ديربي سبورت | أخبار كرة القدم العالمية والبث المباشر.

تحديات ومحاور القوة: بوليسيتش وبالوغون في الواجهة

إذا كان هناك أي مصدر قلق لبوتشيتينو والجماهير الأمريكية، فهو مدى أهمية لاعبين مثل كريستيان بوليسيتش وفولارين بالوغون لآمال الفريق. لقد كانا أساسيين في الشوط الأول الذي بدا فيه المنتخب الأمريكي قادرًا على التسجيل في كل هجمة، حيث سجل بالوغون هدفين وقدم بوليسيتش تمريرة حاسمة. ولكن تم سحب بوليسيتش بين الشوطين، وخرج بالوغون قبل 18 دقيقة من نهاية المباراة، ورغم أن الولايات المتحدة استمرت في السيطرة، إلا أن تهديدها الهجومي لم يكن بنفس القوة التي كانت عليها في الدقائق الـ 45 الأولى. أكد بوتشيتينو بعد المباراة أن سحب بوليسيتش كان إجراءً احترازيًا بسبب شعوره بشيء في عضلة ساقه. يتفق المحللون على أن الفريق يمتلك مقومات كبيرة. صرحت إيلين وايت، نجمة إنجلترا،: “كانت الولايات المتحدة لا تصدق. تتحدث عن الضغط ولكنهم أمسكوا به، استمتعوا به. ربما صدموا العالم بهذا الأداء.” ويتطلع الفريق لتحقيق ما هو أفضل من ربع نهائي 2002.

هل يمكن لأمريكا أن تكون مفاجأة البطولة؟

بينما يرى البعض أن الولايات المتحدة يمكن أن تكون الحصان الأسود للبطولة، يفضل بوتشيتينو التحلي بالحذر، قائلاً: “نعلم في عالم الرياضة أنه عندما ترى أداءً جيدًا ونتائج جيدة، يفكر الجميع في النجاح ويحاول الناس الإطراء عليك، ولكن عندما تخسر، تكون كارثة. أعتقد أننا قدمنا مباراة جيدة ولكن لكي نكون مفاجأة كأس العالم، نحتاج إلى الوصول إلى الدور نصف النهائي أو ربع النهائي، عندها نعم.” الطريق لا يزال طويلاً أمام المنتخب الأمريكي، ولكن هذه البداية القوية، مقرونة بالعمل الجاد تحت قيادة بوتشيتينو، والتأثير المتزايد للاعبيهم في الدوريات الأوروبية، كل هذا يشير إلى أن صعود كرة القدم الأمريكية للنخبة لم يعد مجرد حلم، بل هدفٌ ملموس يسعون لتحقيقه على أرضهم وبين جماهيرهم المتحمسة.

About The Author