عندما حطّت قدما جواو كانسيلو في مدينة برشلونة للمرة الثانية، كانت التوقعات محفوفة بكثير من التساؤلات أكثر منها بالاحتفالات. لم يكن وصول الظهير البرتغالي من نادي الهلال السعودي على سبيل الإعارة منتصف الموسم الحالي مصحوبًا بحماس جماهيري كبير، خاصة بعد تجربته الأولى مع النادي الكتالوني التي لم تكن على قدر الآمال. لكن المفاجأة التي أذهلت الجميع هي كيف أصبح كانسيلو ركيزة برشلونة الأساسية، محوّلًا الشكوك إلى يقين ومثبتًا أنه صفقة رابحة بكل المقاييس.

في رحلته الأولى مع البلوغرانا خلال موسم 2023/2024، تذبذب مستوى كانسيلو ولم يترك البصمة المنتظرة، حيث سجل هدفين وصنع أربعة في 32 مباراة بالدوري، ولم يساهم بأي هدف في دوري أبطال أوروبا. هذه الأرقام، بالإضافة إلى عدم استقراره في تشكيلة المدرب السابق تشافي هيرنانديز، دفعت النادي إلى عدم تفعيل خيار الشراء وانتقاله إلى الهلال السعودي مقابل 25 مليون يورو. كان البعض يظن أن مسيرة كانسيلو مع الأندية الكبرى قد بلغت ذروتها.

العودة غير المتوقعة والفرصة الذهبية

مع بداية الموسم الحالي، وجد برشلونة نفسه في مأزق دفاعي حقيقي. رحيل إنييغو مارتينيز إلى النصر السعودي ترك فراغًا كبيرًا في قلب الدفاع الأيسر، ما اضطر المدرب الألماني هانسي فليك إلى إعادة توظيف الظهير الأيسر البديل جيرارد مارتن في هذا المركز. هذا الوضع ترك أليخاندرو بالدي كخيار وحيد في مركز الظهير الأيسر التقليدي. في خضم هذه الأزمة، بدت فكرة استعارة كانسيلو من الهلال مجددًا كحل عاجل لتوفير العمق والمرونة التكتيكية، خاصة في ظل العلاقة الجيدة بين الناديين.

كانت هذه العودة بمنزلة فرصة ثانية لكانسيلو، ولم يضيّعها. فمنذ مباراته الأولى أمام ريال سوسيداد في 19 يناير، والتي خسرها برشلونة بنتيجة 2-1، بدأ اللاعب البرتغالي في فرض نفسه. خاض 15 مباراة في الدوري الإسباني، وسجل هدفين وصنع مثلهما، ليحجز مكانًا أساسيًا في التشكيلة على حساب بالدي، الذي كان يُنظر إليه كأحد أبرز المواهب الشابة في هذا المركز.

المرونة التكتيكية: مفتاح تحول كانسيلو في برشلونة

ما ميّز أداء كانسيلو في هذه الفترة هو قدرته الفائقة على التكيف مع الأدوار التكتيكية المتعددة التي طلبها منه فليك. لم يعد مجرد ظهير أيمن تقليدي، بل تحول إلى لاعب قادر على شغل عدة مراكز بفعالية عالية، مقدمًا حلولًا مبتكرة للفريق.

  • الظهير المعكوس (Inverted Full-back): غالبًا ما كان يدخل إلى عمق الملعب ليصبح لاعب خط وسط إضافي، مما يمنح برشلونة تفوقًا عدديًا في منتصف الملعب ويساعد على بناء اللعب من الخلف بمرونة أكبر.
  • الجناح الأيمن: في مباراة إشبيلية الأخيرة التي انتهت بفوز برشلونة 3-1، اكتشف فليك دورًا جديدًا لكانسيلو، حيث وضعه كجناح أيمن صريح. هذه التجربة أثبتت نجاحها بتسجيل كانسيلو لهدف مميز من تسديدة بعيدة، مما أظهر قدرته على المساهمة الهجومية الفعالة من مركز متقدم. هذا التكتيك أتاح أيضًا إشراك بالدي كظهير أيسر خلفه، مما خلق جبهة قوية ومرنة.
  • المساهمة الدفاعية والهجومية: على الرغم من ميوله الهجومية، أظهر كانسيلو التزامًا دفاعيًا ملحوظًا، مما عزز من استقرار الجبهة اليمنى لبرشلونة.

هذه المرونة التكتيكية جعلت منه لاعبًا لا غنى عنه في خطط فليك. إنه لاعب ظهير عصري بكل ما تحمله الكلمة من معنى، قادر على اللعب في أي مكان على الرواق الأيمن والأيسر، ومتقن لأدوار هجومية ودفاعية معقدة. هذا التنوع يوفر على برشلونة البحث عن لاعبين مكلفين لسد احتياجات تكتيكية محددة، فكانسيلو يقدم حلولًا متعددة في لاعب واحد.

مستقبل واعد وإعادة تعريف القيمة

لقد نجح الظهير البرتغالي في نصف موسم فقط بتغيير وجهة نظر مشجعي برشلونة والإدارة على حد سواء بشأن تأثيره وقيمته. أصبح من الركائز الأساسية للفريق، ويشكل الآن جزءًا لا يتجزأ من المشروع الجديد تحت قيادة فليك. السؤال الأهم الآن هو ما إذا كان الهلال السعودي مستعدًا للتخلي عن كانسيلو بشكل دائم، وما هو الثمن الذي سيطلبه.

من المؤكد أن برشلونة سيكون سعيدًا بالحفاظ على هذا اللاعب الذي يوفر له مرونة تكتيكية عالية وخيارات متعددة لا تقدر بثمن. قيمة كانسيلو الحالية تتجاوز مجرد الأرقام، لتشمل تأثيره على ديناميكية الفريق وقدرته على تفعيل خطط المدرب بكفاءة. هذا التحول يؤكد أن الفرصة الثانية، خاصة في كرة القدم، قد تكون هي المفتاح لقصص النجاح الأكثر إلهامًا، وهو ما تجسده رحلة كانسيلو مع برشلونة بوضوح. لمعرفة المزيد عن أخبار كرة القدم، يمكنكم زيارة موقع ديربى سبورت.

About The Author