تتجه الأنظار في عالم كرة القدم الاسكتلندية نحو نادي سلتيك، ليس بسبب انتصاراته الأخيرة، بل بسبب عاصفة من الجدل تثار حول اسم محتمل لخلافة المدرب المؤقت مارتن أونيل. الاسم هو أسطورة كرة القدم الأيرلندية، روبي كين، الذي ارتبط اسمه بقوة بتدريب النادي الأخضر والأبيض. ومع ذلك، فإن هذه التقارير لم تمر مرور الكرام، بل أشعلت نار المعارضة بين أوساط جماهير النادي، ما خلق جدلاً واسعاً حول تعيين روبي كين مدرباً لسلتيك. هذه المعارضة ليست مجرد رد فعل عابر، بل هي متجذرة في قيم النادي وتاريخه المرتبط بالتضامن والقضايا الإنسانية.

جذور الرفض: فترة كين في مكابي تل أبيب

تعود شرارة الرفض الجماهيري إلى الفترة التي قضاها روبي كين كمدرب لنادي مكابي تل أبيب الإسرائيلي. فعلى الرغم من نجاحه الرياضي بتحقيق لقب الدوري الإسرائيلي وكأس إسرائيل خلال فترة وجيزة، إلا أن قرار كين بالبقاء في منصبه بعد تصاعد الصراع في غزة وتداعياته الإنسانية، أثار موجة من الانتقادات الحادة في وطنه الأم أيرلندا، وبين قطاعات واسعة من جماهير سلتيك المعروفة بمواقفها السياسية والاجتماعية. يرى هؤلاء المشجعون أن استمرار كين في تدريب نادٍ إسرائيلي خلال تلك الفترة يتعارض مع المبادئ التي يؤمن بها النادي وجماهيره.

في تصريحات لاحقة، حاول كين تبرير موقفه بالحديث عن شعوره بالمسؤولية تجاه لاعبيه وطاقمه، وهو ما أثر على قراره بالبقاء. لكن هذا التبرير لم يكن كافياً لإرضاء الكثيرين، خاصة وأن اسم سلتيك يرتبط ارتباطاً وثيقاً بتاريخ من التضامن مع الشعوب المضطهدة، وهو ما سنتطرق إليه لاحقاً.

سلتيك: نادي القيم والتضامن

تأسس نادي سلتيك في عام 1887 على يد الأخ ماري فرانسيس، بهدف جمع الأموال لمساعدة الجالية الأيرلندية الفقيرة في شرق غلاسكو، التي كانت تعاني من الفقر والتمييز، وكثير منهم كانوا لاجئين من المجاعة والاضطهاد في أيرلندا. هذه الخلفية التاريخية جعلت من سلتيك أكثر من مجرد نادٍ لكرة القدم؛ إنه رمز للتضامن، العدالة، ومناهضة الاضطهاد. لطالما رفعت جماهير النادي أعلاماً ورايات تعبر عن دعمها لقضايا عالمية مختلفة، وتحديداً القضية الفلسطينية، وهو ما يفسر عمق ردة فعلها تجاه قضية روبي كين.

بيان صادر عن مجموعة تحمل اسم “جماهير سلتيك لتحرير فلسطين”، أكد أن تعيين كين سيكون “مبعثاً للفرقة والانقسام العميقين بين المؤيدين”. وشدد البيان على أن “سلتيك تأسس على يد مجتمع تشكل بفعل الإبادة الجماعية، النزوح والمجاعة. جذور نادينا تكمن في التضامن مع من عانوا من الظلم والاضطهاد. لا يمكننا أن ننسى من أين أتينا، ولا أن ندير ظهورنا لمن يواجهون الإبادة الجماعية اليوم.”

الحركة الجماهيرية: صوت الرفض يتعالى

لم يقتصر الأمر على مجرد بيان فردي، بل تحول إلى حركة جماهيرية منظمة. فقد نشر حساب “نورث كيرف سلتيك” على منصة X قائمة تضم أسماء 67 مجموعة من مجموعات المشجعين التي أيدت البيان وعبرت عن رفضها لتعيين كين. شملت القائمة مجموعات الألتراس المعروفة باسم “الفرقة الخضراء” (Green Brigade)، ومجموعة من البودكاست الرياضية، بالإضافة إلى مجموعات عريقة وراسخة مثل نادي مشجعي سلتيك بجامعة غلاسكو ونادي كريغنوك تومي جيميل. هذا التكتل الواسع من المجموعات يرسل رسالة واضحة لإدارة النادي حول مدى عمق هذا الرفض.

إن قوة جماهير سلتيك وتأثيرها لا يمكن الاستهانة به. فخلال الموسم الماضي، شهد النادي احتجاجات واسعة من قبل قطاعات من المشجعين ضد مجلس الإدارة، حتى أن الاجتماع السنوي للنادي في نوفمبر تم إلغاؤه بعدما استقبل المساهمون نجل رئيس المساهمين ديرموت ديزموند بالهتافات عندما اتهم بعض المشجعين بأنهم “متنمرون”. هذا يبرز مدى حساسية العلاقة بين الإدارة والقاعدة الجماهيرية، وكيف يمكن لمثل هذا القرار أن يزيد من الشرخ القائم.

التأثير المحتمل على مستقبل سلتيك: جدل تعيين روبي كين مدرباً لسلتيك

يضع هذا الجدل إدارة سلتيك أمام قرار بالغ الصعوبة. فمن ناحية، يمتلك روبي كين سجلاً تدريبياً ناجحاً في إسرائيل والمجر، وخبرة كلاعب، بما في ذلك فترة إعارة مميزة في سلتيك بارك عام 2010. ومن ناحية أخرى، تواجه الإدارة ضغطاً هائلاً من قاعدة جماهيرية واسعة، متمسكة بقيم النادي وتاريخه. تجاهل هذا الرفض قد يؤدي إلى تصعيد التوترات بين الجماهير والإدارة، وقد يؤثر سلباً على الأجواء داخل النادي وعلى الدعم الجماهيري في المدرجات.

يجب على مجلس إدارة سلتيك الموازنة بين الطموحات الرياضية للنادي والحفاظ على هويته وقيمه التي تلتف حولها جماهيره. إن قراراً كهذا لا يتعلق فقط بالقدرات الفنية للمدرب، بل يتجاوزها إلى الجانب الأخلاقي والرمزي الذي يميز نادي سلتيك عن غيره. لمزيد من التحليلات والأخبار الرياضية العالمية، يمكنكم زيارة ديربي سبورت | أخبار كرة القدم العالمية والبث المباشر.

في الختام، يظل مصير تعيين روبي كين معلقاً في انتظار قرار حاسم من إدارة سلتيك، التي تجد نفسها بين مطرقة النجاح الرياضي وسندان القيم الجماهيرية الراسخة. هذا الجدل يذكر الجميع بأن كرة القدم ليست مجرد لعبة، بل هي جزء لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي والثقافي لملايين المشجعين حول العالم.

About The Author