بعد أربعة عقود من الترقب والشوق، يعود أسود الرافدين إلى الساحة الكروية العالمية، في قصة صمود وإرادة تتجسد في عودة العراق إلى كأس العالم بعد 40 عاماً. نجح المنتخب العراقي في حجز مقعد له في مونديال 2026، ليخط فصلاً جديداً في تاريخه الكروي المليء بالتحديات والإنجازات. هذا التأهل ليس مجرد إنجاز رياضي، بل هو احتفال بالروح العراقية التي رفضت الاستسلام رغم كل الظروف القاسية التي مر بها البلد.

رحلة محفوفة بالمخاطر: تحديات عصفت بكرة القدم العراقية

لم تكن مسيرة كرة القدم العراقية سهلة على الإطلاق، بل كانت مرآة للتحديات الجيوسياسية والاقتصادية التي عصفت بالبلاد. يصف كريم علاوي، اللاعب الذي شارك في مونديال 1986، تلك الفترة بقوله: “مثلما مرت البلاد بظروف صعبة من حروب وتحديات سياسية واقتصادية وعقوبات دولية، مر المنتخب الوطني بذلك أيضاً”. لقد أثرت الحروب والعقوبات الدولية بشكل مباشر على البنية التحتية الرياضية وتطوير اللاعبين، مما أدى إلى غياب التخطيط السليم والإعداد الكافي للمباريات الحاسمة.

وإلى جانب هذه الصعوبات، لا يمكن إغفال تأثير نظام الحكم السابق، الذي شهد فرض عقوبات قاسية وتعذيب للاعبين، في فترة وصفها علاوي باقتضاب: “كان هناك مبدأ صارم جداً للثواب والعقاب”. هذه الحقبة تركت جروحاً عميقة وعرقلت أي تطور حقيقي للعبة. حتى بعد سقوط النظام في عام 2003، استمر عدم الاستقرار، مما أجبر المنتخب على خوض مبارياته التأهيلية خارج بلاده، في الأردن وماليزيا وإيران وغيرها، حتى وافق الفيفا أخيراً في عام 2020 على استضافة البصرة لبعض المباريات.

جيل 2026: أمل جديد ينهي انتظار عودة العراق إلى كأس العالم

المنتخب العراقي الحالي، المصنف 57 عالمياً، يختلف كثيراً عن سابقه، فهو يضم مجموعة من اللاعبين المحترفين في الدوريات الأوروبية، مما يمنحه قوة وخبرة إضافية. من أبرز هؤلاء النجوم:

  • علي الحمادي: مهاجم فريق إيبسويتش تاون الإنجليزي.
  • زيدان إقبال: لاعب خط الوسط السابق لمانشستر يونايتد، والذي يلعب حالياً في أوتريخت الهولندي.
  • كيفين ياكوب: الذي ساعد فريق آرهوس على الفوز ببطولة الدنمارك.

هذه الأسماء، إلى جانب المواهب المحلية، تشكل مزيجاً واعداً يغذي آمال الجماهير العراقية في تقديم أداء مشرف في المونديال القادم.

العبقري غراهام أرنولد: مهندس التأهل الاستثنائي

لعب المدرب الأسترالي غراهام أرنولد، الذي تولى تدريب المنتخب العراقي في عام 2025، دوراً محورياً في هذا الإنجاز التاريخي. أرنولد، الذي قاد أستراليا إلى الدور الثاني من كأس العالم 2022، جلب معه خبرة تكتيكية عميقة وقدرة على بناء فريق قوي ومتماسك. تحت قيادته، اجتاز العراق الجولتين الثالثة والرابعة من التصفيات، محققاً فوزاً صعباً على الإمارات، ثم انتصاراً حاسماً على بوليفيا في المكسيك، في مباراة تضمنت 21 خطوة على طريق التأهل الطويل.

يقول الصحفي الرياضي نوار فائق الركابي: “قد يظن الناس أننا أضعف فريق في المجموعة، ولكن أي شيء يمكن أن يحدث… الأرجنتين وجدت صعوبة بالغة في الفوز على أستراليا في عام 2022. سيكون الأمر نفسه معنا. إنه ذو خبرة كبيرة وأعتقد أننا سنفعل شيئاً جيداً حقاً”. هذه الثقة بالمدرب واللاعبين هي وقود الأمل لمستقبل مشرق.

ذكريات 1986 وطموحات لا تعرف حدوداً

يعود العراق إلى كأس العالم في 2026، بعد أن كانت مشاركته الوحيدة في نسخة 1986 بالمكسيك. يتذكر كريم علاوي تلك الأيام قائلاً: “كنا نلعب مبارياتنا خارج البلاد أيضاً، مما جعل الشعور أعظم”. في تلك النسخة، خسر أسود الرافدين جميع مبارياتهم أمام باراغواي وبلجيكا والمضيفة المكسيك.

الآن، ومع قرعة قوية تضع العراق في مجموعة الموت إلى جانب النرويج بقيادة إيرلينغ هالاند، وفرنسا بطلة العالم عدة مرات، والسنغال بطلة أفريقيا، يتطلع الجيل الحالي إلى تحقيق إنجازات تفوق ما تحقق في الماضي. الأهداف واضحة: تسجيل أكثر من هدف سيكون إنجازاً جديداً، والفوز بمباراة سيكون إنجازاً عظيماً، والتأهل للمرحلة التالية سيكون رائعاً. “الناس انتظروا طويلاً ونحن الآن جاهزون”، بهذه الكلمات تتلخص روح التحدي والأمل.

نظرة إلى المستقبل: العراق في قلب الحدث العالمي

إن عودة العراق إلى كأس العالم بعد 40 عاماً هي أكثر من مجرد مشاركة رياضية؛ إنها رسالة للعالم بأن هذا البلد وشعبه يمتلكان روحاً لا تقهر وقدرة على تجاوز المحن. الاحتفالات الصاخبة في شوارع بغداد بعد التأهل، والتي شملت مسيرات حافلات مكشوفة، كانت دليلاً على حجم الفرحة والأمل الذي زرعه هذا الإنجاز في قلوب 46 مليون عراقي متعطش لكرة القدم.

وبينما يستعد العالم لمتابعة هذا الحدث الكروي الكبير، يمكنكم متابعة آخر أخبار وتطورات كرة القدم العالمية، بما في ذلك كل ما يتعلق بالمنتخب العراقي، عبر ديربي سبورت | أخبار كرة القدم العالمية والبث المباشر، المصدر الموثوق لكل عشاق اللعبة.

About The Author